رحمة يسن تكتب : عُـذرية العُـهر

غرفة ساكنة؛ مسجون الصمت بين جدرانها.. اضطرب السكون من أشعة الشمس المنبعثة تتسلل إلى عينها، تفيق كتمثال.. صارت إلى نافذة الغرفة المغلقة لتذيب حرارة الشمس برودة الحجرة الخاوية؛ تحررها من الجمود و البرود القاتل.. إلا أنها كما هي تتحرك كالتمثال مسلوبة المشاعر و الملامح !

جلست على فراشها تحتضن ركبتيها، تحدق في الفراغ و يمر أمامها عمرها كشريط سينمائي ينبض بكل أيامها و وسنواتها

مشاهد لطفولتها البريئة تلعب بقطع الصلصال والألوان وهي تحمل عرائسها ..

مشاهد لمرهقتها و تغيراتها المفاجأة و المعاملة الغريبة من الجميع، صدى كلمات أخبرها انها لم تعد طفلة وأن كل خطوة ستكون بحساب، لم تستوعب وقتها ما حدث..

مشاهد لأنوثتها التي تفجرت فجأة غمرت ملامح جسدها التي برزت مفاتنه، لم تدرك مدى جمال جسدها الممشوق إلا بعد نظرات الرجال تلاحقها !

رأت تبدل حواديت طفولتها الساخرة إلى أوامر بأن تفعل ذلك و ألا تفعل ذاك ..

شعرها المجدول التي كانت تتباهى به بين صديقتها إلى غطاء محكم اجبروها على ارتداءه في ريعان طفولتها..

سجنوا عرائسها في صناديق محكمة الغلق، كما احكموا قبضتهم عليها !!

مازالت لا تستوعب ما يحدث، لم تستطع إدراك سرعة الأحداث حتى صارت تنفذ أوامرهم دون وعي.. فـ هم أولى الأمر و من يراعوها !

رغم دفنها لمعالم أنوثتها و مفاتنها تحت لباس اجبروها على ارتداءه أيضا، كانت أعين الرجال تلاحقها و أعين النساء تغار منها، و كأن ذلك ذنبها في أن تكمل دورة حياتها و نموها لتصير امرأة !!

أفاقت من شرودها على جرس هاتفها يخبرها بقدوم رسالة..

نهضت إلى الحمام تجر قدميها، غسلت وجهها بالماء الفاتر علَّه يزيل بقايا نوم جفاها منذ مدة، فأصبحت تجبره على العودة بمنوّم !!

عادت الي فراشها و تناولت هاتفها لتقرأ اسمه ينير الشاشة !!

شردت بمجرد أن رأت اسمه إلى إحدى مشاهد شريط حياتها..

 

هي ممددة جواره على بطنها، قدميها تداعب إحداهما الأخرى في الهواء، تنظر له بنصف ابتسامة مصبوغة بإغراء مستتر، جذبها إليه بولع فسكنت أحضانه وتوسدت كتفه تنظر له بأعين تملؤها لهفة الاشتياق ممزوجة بخوف..

غابا عن الواقع في حلم جميل يختلسان الحب خشية افتضاح أمرهما للقدر، غابا عن الحلم بغفوة كالتي أحاطت تلاميذ المسيح ليلة العشاء الأخير و استمرت حتى صباح اليوم التالي.. أفاقت على هزات خفيفة منه هامسا لها لتستيقظ، لم تكن تدري انها تفيق من حلم جميل على واقع مرير !

أخبرها أن تفيق ف لديه موضوع هام يريد إخبارها به، للحظة شعرت برجفة تسري في جسدها، قلبها انبئها أن الاتي سيطيح بالحلم الجميل إلى هاوية الجحيم !

رأته يجول ذهابا و إيابا في أرجاء الغرفة حتى توقف أمامها و بدأت الكلمات تخرج من مكنون صدره..

 

” لقد انتهى ما بيننا، لن أنكر أن الليلة الماضية كانت أعظم من أي ملحمة قرأت عنها في التاريخ لكن..

لن استطيع ان ائتمنك على نفسي و اسمي و بيتي، لن استطيع ان أثق في امرأة فرطت في أعز ما تملك مهما زادت درجة عِشقها.. لا أستطيع أن امنح ثقتي في عاهرة.. سأذهب الآن و أعود بعد نصف ساعة، لا أريد أن أجد بقاياكِ هنا، ارحلي ولا تعودي.. سأغفر لكِ وأنساكِ واطوي صفحة علاقتنا ولن أخبر أحدا بما حدث… ”

رحل وتركها في متاهة، قشعريرة تلتهم جسدها، آهات مكتومة تتسلل من قلبها المكلوم من كلمات الحبيب الصادمة، لا تدري ماذا تجمع اولا.. أشلاء قلبها المبعثرة ام بقايا أنوثتها التي أهدر دمها للتو بعد أن ناداها” عاهرة” ، نهضت ترتدي ملابسها ودموعها منهمرة في صمت، مازالت مصدومة غير مستوعبة ما حدث منذ قليل، تتضارب مشاعرها بين القهر والخجل، بين إنكار حقيقة عشقها الطاهر و وصمها العاهر، بين الوعي وحلم الليلة الماضية ، لقد أصبحت عاهرة بمجرد أن… أن تركته ينهل من أنوثتها!

رحلت تسير بلا وجهة، غائبة عما يحيط بها، يتردد داخلها وصمها بالعُهر، كيف وهي من دفنت أنوثتها مذ بلوغها، تبغض نظرات رجال تلاحقها، تكره غيرة نساء أرادوا وأد وجودها.. بكت كثيرا وهي تردد كيف أكون عاهرة وانا من صنت نفسي حتى عَرِف عشقك سبيل قلبي وسكنت وجداني ف تملَّكت كياني وجسدي وروحي..

 

مازالت غارقة في ذكرياتها ودون وعي انهمرت دموعها في صمت كما انهمرت ذلك اليوم، عادت تتذكر صراخها المكتوم في وسادتها عندنا عادت إلى منزلها هربا من أعين البشر التي مازالت تلاحقها رغم بكائها وانهزامها..

صرخت وصرخت وهي تنتفض وترفض وصمها بالعُهر، تذكَّرت لحظاتهم سويا وتساءلت كيف تكون عاهرة وهي تداعبه كطفلة و تحتويه گأم وتحاوره بحميمية صديقة، وهي ترويه من أنوثتها لتُشبِعه نهماً وجنوناً حتى يئن في سُكر ليستشعر رجولته، لا أحد غيره كانت تصيب حواسه بالتشوش فور انسياب قميصها الأحمر القصير على جسدها ليغمرها كموجة مشتاقة للبر أو نغمة هاربة من سيمفونية يعزفها أعظم مايسترو، تذكرت صورهم التذكارية بضحكاتهم العالية الممزوجة بالجنون والمرح، لا أحد غيره كانت تشاركه تفاصيل يومها وترافقه في حياته، كانت تذهب معه لابتياع الكتب والهدايا لتضع لمساتها الانثوية الخاصة في كل ركن من حياته، كانت تشاكسه في غفوتُه، تستحمله في جديتُه، تداعبه في هزلُه ومرحُه، لم ولن تسدل جسدها على أعين رجل سواه كستار مانع للرؤية عن غيرها من نساء حواء..

بعد كل هذا يصدمها أنه لا يثق بها لأنها عاهرة !

أحقاً صار العشق عُهر، أصبح الحب مجرد أسطورة و حكاية من حكايات طفولتها الساخرة ! لمَّ يُحرَّم العشق مادام القلب ينبض بـعِشق الرب، لقد حمَّلت مريم العذراء بالمسيح عيسى دون أن يمسها بشر و لم يجرؤ أيا كان أن يوصمها بالعُهر، إذا لما اقترن العشق بالعُهر..

 

عادت من شريط حياتها على نغمة هاتفها لتتناسب ومخزون القهر الذي يضمره قلبها، انفجارات عنيفة تدمي جروحها التي تزداد ألماً من ملوحة دموعها المنهمرة كزخات مطر في كانون قارس البرودة مشبعة أنوثة وكبرياء مهزوم، رغم مرور زمن ليس بقصير إلا أن تلك الذكريات تلاحقها؛ تنفرها من أنوثتها و تعيدها للواقع بلطمات سريعة متلاحقة دون شفقة أو تردد تدفعها للموت و الحياة في آن واحد..

العنوان قاتل

 

مازال هاتفها يطالبها أن تجيب نداءه إلا أنه عاد الي سكونه بمجرد أن تناولته، فتحت رسائل عديدة تحمل اسمه “هو ذلك الصديق الحقيقي و الجندي المجهول في حياتها، من رافقها في رحلة صراعها مع وصمة العُهر، لطالما أخبرها انها راهبة رفضت الخضوع لغيره، رغم أنه رفض رهبنتها عن العشق حته معه.. فهي لم تكن مجرد صديقة له على الإطلاق إلا أنه تحمَّل حياتها كراهبة ورضى ان يكون كالمُذنِب يذهب إلى الكنيسة في جلسة اعتراف ليعود منها كمن لا ذنب له..!

كانت الرسائل جميعها تحمل نص واحد؛ انه حاول الاتصال بها مرارا الا ان هاتفها كان مغلق او خارج نطاق الخدمة.. إلا رسالة واحدة كان ذلك محتواها :

” أنا أحبك وأريد منك أن تحبيني، لكن لا تفنى كيانك في كياني ولا في كيان أي أنسان، أريدك راهبتي التي معها اكون قديس لا ذنب له، ومعشوقتي التي أقع في غرامها مرارا و ان كان أعظم خطية..

أريد لك كيانك الخاص المستقل، وان تكوني كياني..

بهذا فقط تحققين السعادة فأنت تعيسة يا حبيبتي، وقد حاولتِ، ولن تستطيعي، أن تخفى عنى تعاستك.. و رغم هذا احبك”

 

رحمة يس تكتب : راهبة العُهر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فلسطيني يتحدى الصعوبات برسم الشخصيات الشهيرة

بوابة الحدث : عنها هو فلسطيني يتحدى الصعوبات برسم الشخصيات الشهيرة قرر الفنان الشاب رمضان ...